أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)/الإِكثار والإِقلال

من موسوعة الأدب العربي
< أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)
مراجعة ١٦:٥٠، ٢ سبتمبر ٢٠٢٢ بواسطة Adab (نقاش | مساهمات) (الإِكثار والإِقلال)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى:تصفح، ابحث

الإِكثار والإِقلال

الإِكثار والإِقلال - أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)

- وممّا يَغْلطُ فيه أكثرُ المنادمين، وجمهور المتعاقرين افتتاحُ الشّرب بالقدحِ الصّغير، والترقِّي منه إِلى الكبير، وهم بالابتداءِ بالكبير في حال جِمَامِهم وحاجتِهم إِلى هَضْم طعامهم وأبين مجلسهم أولى، حتّى إِذا تَرنَّحُوا وانتَشَوْا كانوا بالنّزول إِلى الصغيرِ أوْلى، وبالإِبقاءِ على عقولهم أحْرَى. وربّما لم يكن غناؤُهم ممتعاً فيُعَفى تعجيلُهم الطَّرب بالكبير على تقصيره، ويُغَطِّي ارتياحُهم على عيوبه، ولو صادفهم على غير تلك الحال ألحقهم الفتُور، وقلَّ نشاطُهم للكبير. - فأَمّا الإِكثارُ والإقلالُ فليس النّديمُ فيهما مختاراً، ولا عَلِمْنَا أحداً تبيَّن منه كبير بخلٍ على النَّبيذ. - والأَغلبُ على أكثرِهم إِجبارُ النَّديم على الشُّربِ، والحَيْفِ عليه، واستثقاله إِذا تأَبَّى وامتنع، أو تمنّع. - ولا عيبَ على النّديمِ في السُّكْرِ إِذا كان مجبوراً عليه كما وَصَفْنَا، وتُغفرُ له فَرَطَاتُهُ فيه وعثراتُه كما قال العَطَوِي:

فَمَنْ حَكَّمْتَ كَأْسَكَ فِيْهِ فَاحْكُمْ

لَهُ بِإِقَالَةٍ عِنْدَ الْعِثَارِ

وكما قال عليٌّ بنُ الجَهْمِ:

وَالْقَوْمُ إِخْوَانُ صِدْقٍ بَيْنَهُمْ نَسَبٌ

مِنَ الْمَوَدَّةِ لَمْ يُعْدَلْ بِهِ نَسَبُ

تَنَازَعُوا دِرَّةَ الصَّهْبَاءِ بَيْنَهُمُ

وَأوْجَبُوا لِرَضِيْعِ الْكَأْسِ مَا يَجِبُ

ألَا يَحْفَظُونَ عَلَى السَّكْرَانِ زَلَّتَهُ

وَلَا يَرِيْبُكَ مِنْ أخْلاقِهِمْ رَيِبُ

- والأَصلُ في هذا ما يُحكَى عن المأْمونِ من قوله: النَّبيذُ بِساطٌ فإِذا رُفِعَ فَاطْوُوه. - إِلَّا أن يكونَ النّديمُ هو المستدعى للشَّرب، والمواصل للنَّخبِ من غير ثقةٍ منه باحتمالِ ذلك فيَلزمُهُ التَّبِعة، وتعصب به الجريرة. - فأَمّا الرئيسُ ذو الملك والأَمر النّافذ فلو كان السُّكرُ أو مقاربتُهُ حلالاً لا اختلاف فيه لكان عليه حرامًا لا اختلاف فيه: لأَنَّ بَادِرتَهُ إِلى نفسه وغيرِه لا تستقال وأمرُهُ لا يُراجع، لأَنّه يَقْهَرُ ولا يُقهَر، ويَحْجُرُ ولا يُحْجَرُ عليه، وقلّما سمعنا بحادثةٍ فظيعة، وغدرةٍ قبيحةٍ، وسطوةٍ عظيمة استجازها ملك، وجناها على نفسه، أو نديمه، أو حميمه، أو سائر مَنْ يخصُّه، إِلاّ على سُكر ثمَّ يقع عليه بعدَ ذلك النَّدامة، ويلحقه ما لا يتلافاهُ من العارِ والمسبَّةِ. - فممَّن تهيَّأَ عليه ذلك من ملوكِ الجاهلية جذيمة بن مالك الأَبرش صاحب الحيرة، وخبره مشهور. - ومن ملوك الإِسلامِ الوليدُ بنُ يزيد بن عبد الملك، فإِنّه لم يزل يُهملُ الأُمورَ، ويُواصلُ السُّكرَ مصطبحًا ومغتَبقًا حتّى انتشرَ أمرُه واضطربَ حبلُه فقُتل وجماعةٌ كثيرة، كان السَّبب في هلاكهم وهلاك مَن يخصهم اختيارهم السُّكْر، ومطالبتهم به ندمانهم، ولو ذهبنا إِلى تعدادهم، وشَرْح قصصهم لخرجنا بالكتاب عن حده. ^

باب

شارك هذه الصفحة:

تابع موسوعة الأدب العربي على شبكات التواصل الإجتماعي