أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)/الأَدب في الشطرنج

من موسوعة الأدب العربي
< أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)
مراجعة ١٦:٤٩، ٢ سبتمبر ٢٠٢٢ بواسطة Adab (نقاش | مساهمات) (الأَدب في الشطرنج)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى:تصفح، ابحث

الأَدب في الشطرنج

الأَدب في الشطرنج - أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)

- وأمّا الشِّطرنجُ فليس غرضُنَا ذِكْرَ فضائلها فَنعدَّ من ذلك ما نسهبُ فيه، ونأْتي بما ذكره المتقدّمون، ونجتهد في الزيادة عليه، وإِنّما نتوخَّى التّنبيه على ما يحتاجُ إِليه النّديمِ في حالِ الَّلعبِ بها من الأدبِ الذي يقرب به من قلب رئيسه عند مقابلته إِياه مجتمعين على الشطرنج، فإِنه لا يكون بينهما إِلا مِسَاحَةُ الرقعةِ ولعلها لا تزيد على الذراع كثيراً. - والزمانُ بينهما يطولُ فيها، فواجب على النديم أن يتحفّظَ من نفسه، ويتعهد من أحوالِ ظاهر جسمه وباطنه، وشاهدِهِ وغائبه، ما يأْمنُ معه أن يسبق إلى طرف الرئيس وأنفه من جهته حالٌ يذمُّها، وليكن على أوْكد ثقةٍ بنقاءِ فيه من الخَلُوفِ، وثَوْبِهِ من الدنس، ومغابنه من الدَّرَنِ بتوفية هذه الأشياء حقَّها من التّنظيفِ والتّطييب. - وليس حقُّ نفسه عليه إذا كان عاليَ الطبقة أن يبخسها حظّها، ولا يحطها عن درجته، توهماً أن تغابيَهُ للرئيس ألطفُ لمنزلته عنده، وأعطفُ بقلبه عليه، كما أنّه ليس من الرئيس المصطفى له عليه أن يتصوره بصورةِ من يغالطه، ويسخر منه بإعطائه ما ليس له، وعلى أنَّ عقولَ الرؤساءِ أقوى، وفِطَنهم أرقُّ من أن يجوز عليهم مثل هذا. - ولم تُوضعِ الشطرنجُ على الإِنصافِ والعدلِ، ويدلُّك على ذلك أنَّ أصلَها التكافُؤُ والقيامُ إِذا وفى النّظر والحساب من كلا الجهتين حقَّهما. - وأخبرني أبو الحسين عليُّ بنُ أحمد الكناني أنّ أبا بكر الصُّولي لمّا حضر مجلسَ المكتفي بالله أمير المؤمنين في ابتداءِ دخوله، وكان قبله الماوردي أثيراً عنده متمكّناً من قلبه معجباً بلعبه، فلمّا لاعبَه الصُّولي بين يديه حَمَلَهُ حُسْنُ الرّأي في الماوردي والإِلف له على نصرته، وتشجيعه وتنبيهه، حتّى أدْهَشَ ذلك أبا بكر في أوّل وَهْلةٍ، ثمّ لما اتّصل اللّعبُ بينهما، وقَصدَ أبو بكر قصْدَهُ غلبه غلباً لم يكد يرد عليه معه دستا، وتبيَّنَ الحقُّ للمكتفي، فعدل عن الهوى، وقال للماوردي: صار والله مَاءُ وَرِدِكَ بَوْلاً. - وبلغَنِي أنّه رأى بساتين مونقَةً، وزهراً حسناً، فقال لجلسائه وندمائِهِ: هل رأيتم منظراً أحسن من هذا ؟ فكلٌّ قال فيه شيئاً ذَهَبَ فيه إِلى مَدْحِه، ووصْفِ محاسنه وإِنّها التي لا يفي بها شيءٌ من زهراتِ الدُّنيا فقال: لعِبُ الصُّولي أحسنُ من هذا الزَّهرِ، ومن كلِّ ما تصفون. - ومِمَّا يُستعملُ على الشطرنج النوادرُ المدهشةُ، وأقولُ: إنّها في تلك الحالِ بمنزلِ الإرتجاز الذي يستعمله المقاتلُ عند اللقاء، والحادي عند الإِعياءِ، والماتحُ عند الإستقاءِ، فهي من عُدَّةِ اللاّعبِ، كما أنّ الشعارَ والإرتجازَ من آلةِ المحاربِ، فقد قيل في ذلك:

كَمْ مِنْ ضَعِيْفِ الِّلعْبِ كَانَتْ لَهُ

عَوْنًا عَلَى مُسْتَحْسَنِ القَمْرِ

- ولستُ أستحسنُها إِلَّا في موضعين: أحدهما: عند وقوفك على الضَّرْبةِ الغريبةِ الحسنةِ الدّقيقةِ وإِمكانها إِيّاك بأَن يكون اللعبُ لك وفي يدك مثل الشجاعِ الذي إِذا رأى مساغاً لِنَابَيْهِ صمَّمَ. - وإِنْ شَغَلْتَ نفسك بتلك الأَعابيثِ، وأنت محتالٌ للَّعبِ مرتادٌ للغلبِ انقطعتَ بذلك عن الصوابِ. وإِن لم يكن اللّعبُ بيدك نَبَّهْتَ بما تُظهر في ذلك العبثِ من نشاطِ خَصْمِك على تفقُّدِ ما لاح لك فتحرَّزَ منه. والآخر: عند وقوفك على إِمكانِ الضربة الجيّدةِ صاحبك وتهيّئها له دونك، فأَنت بما تستعمله في تلِك الحال تَشْغَلُه وتدهشُهُ حتّى يكاد يعمى عن رشدِهِ. - وَإِنْ كان القَمْرُ لك فأَحسنُ أحوالك التَّرْكُ على الإحسانِ إن كنتَ مختاراً، وكذلك إن اتّصلَ القَمْرُ عليك، لأنَّ الإلحاحَ واللجاجَ لا يزيدك إِلا بَلَادة. - وقد قيل في الشّطرنج أشعارٌ كثيرةٌ، فأَمّا طوالها فكَثُرَ فيه الحشوُ بما اضطرَّ إِليه القائلُ من الاقتصاصِ، وقلّما اقتُصَّت حالٌ في شعرٍ إِلاّ كان مضعوفاً، إِلا أبياتاً كَثُرَ الشكُّ في من تُعْزَى إِليه، وأولها:

أرْضٌ مُرَبَّعَةٌ حَمْرَاءُ مِنْ أَدَمٍ

مَا بَيْنَ خِلَّيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِالْكَرَمِ

تَذَاكَرَا الْحَرْبَ فَاحْتَالَا لَهَا شَبَهًا

مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَا فِيْهِ بِسَفْكِ دَمِ

هَذَا يُغِيرُ عَلَى هَذَا وَذَاكَ عَلَى

هَذَا يُغِيْرُ وَعَيْنُ الْحَرْبِ لَمْ تَنَمِ

فَانْظُرْ إِلَى حِيَلٍ جَاشَتْ بِمَعْرِفَةٍ

فِي عَسْكَرَيْنِ بِلَا طَبْلٍ وَلَا عَلَمِ

وأبياتًا تُعْزَى إلى أبي الحُسينِ أحمدَ بنِ محمدِ بْنِ أبي الَبْغلِ وهي:

فَتىً نَصَبَ الشِّطْرَنْجَ كَيْمَا يَرَى بِهَا

غَرَائِبَ لَا تَسْمُو لَهَا عَيْنُ جَاهِلِ

فَأَبْصَرَ أعْقَابَ الأَحَادِيْثِ فِي غَدٍ

بِعَيْنِ مُجِدٍّ فِي مَخِيْلَةِ هَازِلِ

وَأَجْدَى عَلَى السُّلْطَانِ فِي ذَاكَ أَنَّهُ

أَرَاهُ بِهَا كَيْفَ اتِّقَاء الْغَوَائِلِ

وَتَصْرِيْفُ مَا فِيْهَا إِذَا مَا اعْتَبَرْتَهُ

شَبِيْهٌ بِتَصْرِيْف القَنَا وَالْقَنَابِل

- فأَمَّا النَّرْدُ ففيها ضروبٌ من اللّعب، وصنوفٌ من التّرتيبِ والنّصب، إِلاّ أنَّ عدد البيوت واحد لا نقص فيه ولا زيادة على الأصل المتعارف، والفصَّان فيها محكمان، وصاحبها مع ذلك - وإن لم يكن مختاراً، وكان منقاداً إلى حكم الفصين - محتاجٌ إِلى أن يكونَ سريعَ النقلِ رشيقهُ، صحيحَ الحساب مصيبه، حسنَ التّرتيب جيّده. - ولبعض الأُدباءِ فيها أبيات وهي:

لَا خَيْرَ فِي النَّرْدِ لَا يُغْنِي مُمَارِسَهَا

فَضْلَ الذَّكَاءِ إِذَا مَا كَانَ مَحْرُوْمَا

تُرِيْكَ أَفْعَالُ فَصَّيْهَا تَحَكُّمَهَا

ضِدَّيْنِ فِي الْحَالِ مَيْمُونًا وَمَشْؤُومَا

فَمَا تَكَادُ تَرَى فِيْهَا أَخَا أَرَبٍ

يَفُوتُهُ الْقَمْرُ إِلَّا كَانَ مَظْلُومَا

- وكتبتُ إِلى صديقٍ لي أذمُّ النردَ إليه، وكان بها لَهِجًا،:

أَيُّهَا الْمُعْجَبُ الْمُفَاخِرُ بِالنَّرْ

دِ لِيُزْهَى بِهِ عَلَى الْإِخْوَانِ

قَدْ لَعَمْرِي حَرَصْتُ جُهْدِي عَلَى قَمْ

رِكَ لَوْ لَمْ تُوَاتِكَ الْفَصَّانِ

غَيْرَ أَنَّ الْأَرِيْبَ يَكْذِبُهُ الظَّنُّ

ن وَيُمْنَى بِشِدَّةِ الْحرْمَانِ

وَلَعَمْرِي مَا كُنْتُ أَوَّلَ إِنْسَا

نٍ تَمَنَّى فَأَخْلَفَتْهُ الْأَمَانِي

وَإِذَا جَاءَتِ الْقُضَاةُ بِحُكْمٍ

لَمْ يَحِدْ عَنْ قَضَائِهَا الْخَصْمَانِ

- وأُنْشدتُ لأَبي نواس في النَّرْدِ:

وَمَأْمُورَةٍ بِالْأَمْرِ تَأْتِي بِغَيْرِهِ

وَلَمْ تَتَّبعْ فِي ذَاكَ غَيًّا وَلَا رَشَدَا

إِذَا قُلْتُ لَمْ تَفْعَلْ وَلَيْسَتْ مُطِيْعَةً

وَأَفْعَلُ مَا قَالَتْ فَصِرْتُ لَهَا عَبْدَا

- وانتهى بنا القولُ إِلى هذه الغايةِ، وفي بعضِ ما قدَّمْنَا كفايةٌ لِذِي التّمييزِ والفطنةِ، وهداية إلى كريمِ الأَخلاقِ في المنادمةِ، وإِن لم نكن أحطنا بما يفي بشرطنا في التّشبيث فقد نبّهنا بيسيرِ ما تهيأَ أن نذكره على الجليلِ، ودللنَا بالقليل منه على الكثير، ونرجوا أن نسلمَ مع ما قصدنا له من الحضِّ على جميل المروءةِ، ونهجنا من السبيلِ إلى أحسن العشرة مما يُمْنَى به مؤلفُ الكتابِ من المطاعنِ، ويستهدف له من المعايبِ إِن شاء الله. تمّ كتاب أدب النّديم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على نبيّه محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين، وسلّم تسليماً، وحسبنا الله ونِعمَ الوكيل.

شارك هذه الصفحة:

تابع موسوعة الأدب العربي على شبكات التواصل الإجتماعي