أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)/هيئة النّديم وما يلزمه لرئيسه

من موسوعة الأدب العربي
< أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)
مراجعة ١٦:٤٩، ٢ سبتمبر ٢٠٢٢ بواسطة Adab (نقاش | مساهمات) (هيئة النّديم وما يلزمه لرئيسه)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى:تصفح، ابحث

هيئة النّديم وما يلزمه لرئيسه

هيئة النّديم وما يلزمه لرئيسه - أدب الندماء ولطائف الظرفاء (كشاجم)

- وحكمُهُ أن يحضر بزيِّ الموكِبِ، ولبسةِ الخدمةِ، والزيِّ الظّاهر الذي يُعرفُ به، ويَشهدُ فيه المجالسَ الحافلة، من غير أن يتفضل بشيءٍ من ثيابه، ولا يتشهَّر، فإن شاء الرّئيس أن يغيّرَ زيه، ويُكرمَهُ بشيء من ثيابه، فخلع عليه المُلوَّنَ والمشهرَ من أثوابِ النَّدام حسُنَ أن يلبس ذلك في وقته حتّى ينقضيَ المجلسُ، ولم يحسُنْ أن يحضر فيه ظاهراً في مجلسٍ آخر، لأَنّه شيءٌ كان الرّئيس اختاره في ساعةِ طربِهِ وتبذُّلِهِ لا في كلِّ أوقاته. - فأَمَّا العمامةُ والخفُّ فسبيلُه ألاّ يُخِلَّ بهما، وله أن يلطفهما ويخففهما، وإِنّما الغرضُ في ملازمتهما ألا ينحسرَ الرّأسُ، وتَبدوَ القدمُ. - ويذهبون بذلك إِلى إِجلالِ السّلطانِ العظيم عن مشاركته فيما اتّسع له من التبذّلِ والتخيُّرِ في الزيّ الذي لا مشقّة ولا ثقلَ فيه، والانفراد منه بما ينفصلُ به عمَّنْ هو دونه. - وهذا ممّا يُسلكُ فيه سبيلُ ملوكِ الأَعاجم، وكانوا رسموا لكلِّ طبقةٍ من طبقاتِ أهل ممالكهم برسم من الزيّ ؛ ليتميزوا، ولا يشتبه سوقةٌ بملكٍ، ولا دنيءٌ بشريفٍ، ولا تابعٌ برئيسٍ. - ولكلِّ أهلِ عصرٍ زيٌ، إِلاّ أنَّ الأَكثرَ والأَشبهَ بِأَهلِ عصرنا وما قرُب منه ما ذكرناه، والحجةُ في استحسانِهِ وإِيثارِهِ ما بينَّاه. - وممّا يأَخذُ به نفْسَهُ الإِسراع في الخطوِ إِذا كان حيثُ يراه الرئيسُ حتّى تكون مِشيتُهُ إِرْقالاً، ولا تكون اختيالاً، ولهذا وما أشبهه من التحفظِ صار ندامُ النظيرِ أنعَمَ وأترفَ وإِن كان ندامُ العظماءِ أجلَّ وأشرفَ. - وخُبِّرتُ عن الطبقةِ العالية من ندماءِ الخلفاءِ الماضين أنّهم كانوا يجتمعون في منزلِ أحدهم، فإِذا مشى بعضُهم في ذلك الموضعِ مشى مسرعاً، وسُئِل أحدُهم عن السبب في ذلك، فذكر أنّه إِنّما يفعله في كلِّ موضع، وإِن كان لا يلزمه إِلاّ في مجلس الخليفة، حذراً من أن يخلَّ بالعادةِ، فيعدل عنها في موضعها، فاستحسنت تلك الرياضة. - ومما يلزمه أن يتحفَّظَ منه أيضاً، ويروض نفْسَه به ألاّ يصبِّحه ولا يُمسِّيه، ولا يُشَمِّته، ولا يَسْتَخبره، وإِنّما ترك ذلك كلّه لما فيه من تكلّف الجواب. - وليس من حقِّ المنادمِ ذا الرياسةِ والسُّلطانِ إِذا تبيَّنَ لنديمه منه لينُ الخلقِ، ووطاءُ الكنف وخلعَ ثوب الكَِبر أن يستعمل معه من الدَّالَّةِ ما يجحده حقَّ رياستِهِ، ويقدح معه في سلطانِهِ، ويفسد عليه تدبيره. - ويقال: ينبغي لمن خُصَّ بالسلطان أن يَستعدَّ للذنبِ لم يَجْنِه وأن يكون آنس ما كان به أوْحَش ما يكون منه، فإِن سَلِمَ من ذلك كلِّه فواجبٌ عليه ألاّ يُخلَّ بتوقي الملالِ، والتحرزِ من وقوعه. - وقد قال عبد الله بن جعفر من أعظمِ الخرقِ الدالَّةُ على السُّلطانِ. - وبينا المأْمونُ ينادمُ إبراهيمَ بن المهدي بعض رضاهُ عنه، وتغمده ما كان منه، تبيَّن منه دالَّةً أذْكرتهُ بما تقدّم من ذنبه، فنهض، وأمر بإِقراره ومن كان معه على جملتهم، ثمّ صارَ إِلى مجلسِ جده، فاستوى على سريره، وتزيَّا بزيِّ الخلافةِ، واختصر القضيبَ وتجَلْبَبَ بالبُردَةِ، وجمع الجنودَ في السوَادِ والأسلحةِ، ومُدَّ السماطان، وشُهِرت السيوفُ والأعمدةُ، ثم أُحضرَ إبراهيمُ معنَّناً معسوفاً، فلمّا مَثَلَ بين يديه أطرق عنه مليَّاً، ثمَّ رفع رأسه، وإبراهيم يَرْعَدُ، فقال: يا إِبراهيم، ما حملكَ على ما كان منك ؟ قال: كرسيٌّ خلا من صاحبه يا أمير المؤمنين، فكنتُ جديراً بحفظه عليه، حتّى أعادهُ اللهُ إِليه، وقد سَبقَ من عفو أميرِ المؤمنين ما لا أخاف عليه الحؤول عنه، فقبل عذرَهُ، وأحسَنَ جائزته، وردَّهُ إلى مكانه، وعاد المأْمونُ في مجلسِ الندامِ من وقته. - وخبَّرني أبي عن أبيه رحمهما الله قال: كان ينادم إسحاقَ بنَ إبراهيمَ الطَّاهريَّ جوهريٌّ من جِلَّةِ التجار ووجوههم حتّى خُصَّ به، وتبيّن لطف موقعه منه، ولم يكن أحدٌ يتقدمه عنده، وكان فيه دَالَّةٌ، ومعه أدبٌ يَستحقُّ له تلك المنزلة، قال: فإِنّه لمعَه ذات يوم والستارةُ منصوبة، إذ وُصفَ للمتوكّل فَصٌّ كبير جليلُ المقدارِ، كان وقع إلى هذا الجوهري، فوقَّعَ إلى إسحاق بإِحضارِ هذا الرّجلِ، ومطالبته بالفصِّ، ومناظرته على ثمنه. ووافى التّوقيعُ، فلمّا نظر إِليه دعا بالجلَّادين والسِّيَاطِ، فأَمر بتجريد الرّجل، فقال: أيُّها الأمير ما قصتي ؟ ما سببي ؟ فلم يذكر له شيئاً حتى نُصب بين العُقابين، وكاد السوطُ أن يَأخذه، فلمّا علم أنّه قد رهبَ، وسكر قلبُه من الرُّعبِ والهيبة ما أنساه الدَّالة والمنادمة، قال له: فَصٌّ عندك من حاله وصفته، فقال: أُحضرهُ الساعة، فيأْمر الأَمير بإِطلاقي حتى آتيه به، قال: لا سبيل إلى ذلك، فدعا بدواةٍ وقرطاسٍ، وكتب وهو في تلك الحال إلى ثقته في منزله بعلامةٍ قوية، وأمر بإِحضاره الفص، فأُحضر في منديلٍ، وختم عليه، وأنفذه، ثمَّ قام بنفسه إلى الرَّجل فتولَّى حلَّ وِثاقِه، واعتنقه، وخلع عليه فاخرِ كسوته. وقال: لم يكن من حقِّ السُّلطان إِلاّ ما رأيت، ولو لم أفعلْ ذلك لما أمنتُ دالَّتَك، ولا كنتَ تُخرجُ مثل هذه العقدة النّفسية بتمسيحِ أعطافك، ولحقني من أمير المؤمنين ما يفسدُ حالي وحالك، فَسَكَن الرّجل إِلى عذره، وقَبِلَه. ^

باب

شارك هذه الصفحة:

تابع موسوعة الأدب العربي على شبكات التواصل الإجتماعي